في مدونته المميزة
مِحراب* والتي أتابعها بإستمرار، وأعود لقراءة تدويناته فيها أكثر من مرة، كتب
الكريم أعماق ( مهدي توفيق) تدوينة مؤخرا عنونها بعنوان "لا أريد أن أكون حبة
رز"..وقال فيها عبارة بصراحة حرمتني النوم عندما قرأتها صباح الخميس، قال مهدي:
(انطلقت شرارتها من رفض الحاضر, وامتدت لصناعة المستقبل, حاضر
يعيشه الملايين ويسمونة نجاح, نجاح لا أعترف فيه لأني ببساطة عرفته بعد أن ملكته,
والمشكلة أمتدت لتكون أزمة فهم مصطلحات, تعرّف الحصول على أولويات الحياة على أنها
نجاحات!)
هذه العبارة كانت لاذعة جدا في نظري، وألجمتني
تماما !!
أتذكر قبل ما يقارب السنتين كتبت موضوعا في منتدى
الأحساء الثقافي وعنونته بـ ( أزمة طموح*) وكان قد جرى فيه نقاش جميل بيني وبين
أستاذي الكريم كنفرتر عن معنى الطموح وماهيته، حيث كنت أصرّ على أن الطموح لابد أن
يكون إلهياً وهو رضا الله جلّ تعالى، و أن على الإنسان أن يجعل كل أفعاله التي
يقوم بها، وأمنياته التي يريد تحقيقها سلالم توصله إلى هذا الهدف، بينما كانت نظرة أخي الكريم كنفرتر الثاقبة تميل إلى أن رضا
الله لا يعني أن لا نجعل لنا أهدافا محدده في هذه الحياة مقصودة لذاتها ، بل أن
نحرص على أن نبذل الجهد لنحقق أهدافا دنيوية نؤطرها بإطار الدين..فبالتالي ستكون
بلغتنا لنيل المأمول من رضا رب الأكوان جلّ في علاه..
وليتضح الخلاف بين النظرتين أكثر سأقول لكم ان
نظرتي كانت أني لا أهتم بطلب أمر دنيوي معين وأسعى لتحقيقه، بل أتحرك وفق المتاح
بما يكون لي زادا للرضا الإلهي..فمثلا لا أسعى لنيل درجة الدكتوراه مثلا وأحاول
تذليل الصعاب في سبيل هذا الهدف، لأنها ليست مقصودة بذاتها، بل أتحرك وفق المتاح لي واقعا من فرص وظيفية مثلا لأتقوى بها على ما يوصلني لرضا الله جلّ وعلا كغاية عظمى، ومتى
ما وجدت أن في عملي مثلا ما يغضب الله تبارك وتعالى، وهذا إخلال بالغاية العظمى أتخلى
عن عملي بغير أسف عليه وأتحول لطريقة اخرى تحقق لي رضا ربي وفق المتاح..
أما نظرة أستاذي الكريم كنفرتر فهي أنه لا مشكلة أن أرسم لي
طموحا محددا كنيل درجة الدكتوراة وأتخذ منها سلما لبلوغ الرضا الإلهي ، فيكون لي
هدف مرسوم واضح، وأنا أسير في طريق تحقيقه متتبعة رضا الله جل وعلا في وسائل ذلك
التحقيق، أي لا أتحرك وفق المتاح فقط، بل أصنع بنفسي ما يحقق لي غاية محددة وأذلل
الصعاب في طريق بلوغها..
وكنت مصرة على رأيي ( القبول بالموجود) وأظن انني
أحسن صنعا، حتى قرأت كتاب سيطر على حياتك الذي أشرت إليه في تدوينتي السابقة ،
وقرأت تقسيم الأهداف ،وعرفت مدى خطأ نظرتي وفداحة سوء فهمي!
نعود لعبارة مهدي الذي أوجزت الكثير مما أريد قوله،
فهذه العبارة أرجعتني تسع سنوات للوراء، عندما أستلمت وثيقة تخرجي من قسم الأحياء
في عام 1423هـ، وما كنت أرسمه لنفسي من آمال، وما فعلته في سبيل تحقيقها، إذ
إلتحقت بمجرد تخرجي بدورة تدريبية كفنية مختبر طبي، وأكملت فيها سبعة أشهر، وأخذت
شهادتي بيدي لسوق العمل لأتفاجئ برفضه لي، فتخصصي الدقيق ( أحياء نبات) لا يؤهلني
لنيل ترخيص العمل كفنية مختبر، لأتحول بعد صدمتي تلك إلى التدريب في المدارس
الخاصة والتي كانت تستهلك مجهودي، ولا أخرج منها بأي فائدة إذ أن التوظيف
يحتاج إلى شهادة خبرة لا تقل عن ثلاث سنوات، وأنا لا أملك سوى شهادات التدريب التي
لم تعتّد بها أي مدرسة لتقبل بتوظيفي؟!
كما أن تجربتي في التدريب كانت سيئة، إذ لم يسمح لي
بالشرح للطالبات سوى مرة واحدة فقط، وكان التركيز عندهم على إنخراطي في العمل
الإداري ، لذا لم أمتلك مهارات التدريس الجيد، بل وكنت أراه مهارة لا أستطيع
امتلاكها وحلما صعب المنال أمام زحام مهام دفتر التحضير وأوراق العمل وسير الدرس وتقسيم
الحصة والتعامل مع الطالبات؟؟!!
ثم واتتني الفرصة بعدها في صباح أحد الإيام لتقع في
يدي قصاصة مكتوب بها إعلان عن وظيفة إستقبال في مستوصف نسائي، وأتذكر يومها أنني
تأملت تلك القصاصة التي وقعت في يدي مصادفة إذ كانت تغلف أحد المشتريات التي أردت
أن أضعها في مكانها، وإذ بعيني تقع على ذلك الإعلان وأقول في نفسي يومها: لعل فيها
رزقي؟..وهكذا كان
ولأن خبرتي في الأمور الإدارية جيدة وإستخدامي
للحاسب يفي بالغرض لم أجد صعوبة في التكيف مع أول وظيفة حقيقية ألتحق بها، وعرفت
طعم الراتب الأول، وفهمت معنى عرق الجبين..
ثم تنقلت في هذه النوعية من الوظائف في أماكن
مختلفة برواتب زهيدة، ظنا مني أنني لست أخسر شيئا بذلك بل أكتسب خبرة على الأقل في
سوق العمل، ستفيدني حتما يوما ما..
وهكذا توالت أيامي لتستقرّ بي الحال كموظفةٍ في قسم
الملفات في إحدى المستشفيات الحكومية قبل سنة من الآن ضمن برنامج التشغيل الذاتي
والتي كنت أراها فرصة العمر التي حقا لا تعوض!
المضحك المبكي أنني توظفت بشهادة الثانوية إذ لم يحسب لي
البكالوريوس، بل و وقعت على ورقة أتعهد فيها بعدم المطالبة بتحسين وضعي الوظيفي
وإحتساب درجة البكالوريوس لي لعدم تناسب التخصص مع المتطلب الوظيفي، وكان هذا شرط
القبول في الوظيفة الكنز!!
لذلك أستوقفتني عبارة مهدي أمس، لا بل لأكن صريحة أكثر وأقول صفعتني صفعة موجعة..
وضعتني أمام نفسي وفي رأسي دويّ السؤال: ماذا قدمت لنفسي خلال
هذه السنوات التسع؟
هل أنا الآن في الموقع الذي كنت أطمح إليه يوم تخرجي؟
بالطبع إجابتي هي لا، لكن ما اتعبني وارهقني بالتفكير وأصابني
بالإحباط هو سؤالي : وإلى ما كنت أطمح من الأساس؟
لم يكن لدي في تلك الأيام كتب تطويرٍ ذاتي، ولم أكن أعرف معنى رسم الأهداف وأهمية تحديدها..
أتذكر أن جلّ همي كان الحصول على وظيفة منذ أيام الدراسة تجعلني
أستغني عن طلب الآخرين، لذا ألتحقت بكلية العلوم ظنا مني أنها مفتاح الوظيفة
السحري، ثم عدلّت القصد لتصبح وظيفة توافق رضا الله جلّ وعلا أستغني بها، وأتخذ
منها زادا لآخرتي، ولا أكون عالة على أحد وهذا ما وصلت إليه الآن، وظيفة كيفما أتفق
لا أرى نفسي تنجز شيئا ينميها من خلالها، وشعور متواصل بالإحباط، وتمنٍ لفرصة أفضل في
وظيفة أخرى ذات مواصفات أفضل وفي بيئة عمل أفضل، أراها هي الأخرى حلمٌ بعيد المنال
في ظل حقيقة سوق العمل في بلادنا، إذ أنني أعلم كم أنا محظوظة أصلا بما حظيت به
وهذا ما يخرسني!
نعم أنا محظوظة ولله الحمد، وتوفيقات ربي كانت رفيقتي طوال رحلتي
هذه، وحظيت بما لم يجده غيري ممن هم في مثل ظروفي بل ولديهم شهادات أكبر وخبرات أكثر مما لدي، بل ولشدة حباء ربي بي لأني كنت أحجم عن العمل في المستشفى تلافيا لمساؤى الإختلاط، ورغبة في تتبع الأفضل والأحب إلى ربي، فكان أن منّ الله عليّ بجعل هذه الوظيفة في مكتب نسائي!!
لكن يبقى شعوري بالإحباط والأسف ملازما لأني لم أعتني برسم صورة محددة أتمناها
لنفسي من الأساس، ولم أحدد طريقة لتحقيقها وأستغل تلك السنوات التي تصرمت من عمري عبثا في بلوغها، ولو أني فعلت لكنت الآن شخصا آخر أقرب لآمالي وأكثر إرضاءاً لنفسي..
للأسف وقعت ضحية لإختلاط المفاهيم، وضيعت عمري هباءا، صحيح تحكمت بي الظروف والواقع والمتاح أغلب الوقت، لكن حتما لو كانت لي صورة محددة لنجحت في بلوغها بعد كل هذا الزمن، ولركزت جهدي في سبيلها!..
صدمة كبيرة أن تكتشف في الوقت الضائع أنك ضائع..
وتلتفت بعد فوات الآوان إلى فوات الآوان..
ولا يحملنكم كلامي هذا على توهم عدم الرضا، كلا ..فلا إرتباط بين الرضا وشكر الله على نعماءه وتوق الإنسان للأفضل وبذله الجهد لنيله، فأنعم الله عندي جمّة ولا أحصيها، بل وأستحيي منه جلّ ذكره إذ وهبني ما لا أستحق، لكن الله من كرمه دائما يحب لعبده الأفضل ، والعبد هو الذي يرزأ بنفسه عند تقصيره، ويضيع حظه من المواهب الربانية..
ولا يحملنكم كلامي هذا على توهم عدم الرضا، كلا ..فلا إرتباط بين الرضا وشكر الله على نعماءه وتوق الإنسان للأفضل وبذله الجهد لنيله، فأنعم الله عندي جمّة ولا أحصيها، بل وأستحيي منه جلّ ذكره إذ وهبني ما لا أستحق، لكن الله من كرمه دائما يحب لعبده الأفضل ، والعبد هو الذي يرزأ بنفسه عند تقصيره، ويضيع حظه من المواهب الربانية..
لذا أكتب تدوينتي هذه لأعترف فيها بخطأي الذي فات الآوان لتداركه، ولأقول لجميع من يقرأ عصارة العمر المعتق، وعلى الخصوص أخي الفاضل مهدي..
لا تتنازلوا عن أحلامكم ، لا تجعلوا المتاح يتحكم في مصائركم، إجتهدوا في تذليل الصعاب ما أستطعتم، وأرغبوا إلى الأفضل دائما،وأقصدوا وجه الله جلّ وعلا في كل أموركم..وتذكروا دائما:
"إن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً"
أما أنا..فحقا سلمت الآن أنني أعاني من داء عضال اسمه (أزمة طموح) !!
ملاحظة: أرجو من أخوتي الكرام الذين يتابعون مدونتي التفضل بإبداء رأيهم في هذه التدوينة وإذا ما كانوا يرونهم شخصية جدا مثلا و يفضلون حذفها ؟!..وشكرا
_____________________________
* رابط مدونة محراب للأخ الكريم أعماق http://www.m7rab.com/
* رابط موضوع أزمة طموح في منتدى الأحساء الثقافي http://www.alhsa.org/forum/showthread.php?t=138456









